السيد عبد الأعلى السبزواري

53

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

وفي الآية الكريمة إيحاء شديد في النفس بتوقير الرسول ؛ لإنّ طاعته هي الطريق الموصل إلى رضاء اللّه تعالى ، ويظهر ذلك بوضوح بعد ما وصمه أعداؤه من المنافقين وغيرهم بما حكاه عزّ وجلّ منهم في الآية السابقة . قوله تعالى : وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً . تأكيد لوجوب طاعة الرسول ، فإنّ لزوم طاعته يستلزم عدم جواز التولّي عنها ، فمن أعرض عن طاعته الّتي هي من طاعة اللّه تعالى ، فإنّه لا يضرّ إلّا نفسه ؛ لأنّ مهمّة الرسول هي التبليغ عن اللّه تعالى ، وليس له سلطان على الناس يقهرهم على ترك المعاصي والآثام ، بل الإيمان والطاعة من الأمور الاختياريّة الّتي تتبع قناعة النفس وميلها ، قال تعالى : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [ سورة القصص ، الآية : 56 ] فالهداية من اختصاص اللّه تعالى وتوفيقه الّذي يتفضّل بها على من يختاره لها ؛ لأنّه العالم بمصالح عباده . وإنّما قال عزّ وجلّ : حَفِيظاً ، أي : مبالغا في الحفظ دون حافظ ؛ لأنّ الرسالة لا تنفكّ عن الحفظ ؛ لأنّ الأحكام الإلهيّة تحفظ الإنسان المؤمن بها عن ارتكاب المعاصي والآثام .